Damus
محمد الضيف profile picture
محمد الضيف
@محمد الضيف
من دقائق الأدب التي يعلمها القرآن أن الحق لا ينافي الرحمة، وأن الصدق لا يقتضي الغلظة. ومن أرقّ الشواهد على ذلك موقف يوسف عليه السلام مع صاحبي السجن، حين قال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ﴾.
كان يوسف عليه السلام يعلم مَن الذي سيُصلب، ومع ذلك لم يواجهه باسمه، ولم يقل: أما أنت فتُصلب، بل قال: ﴿وأما الآخر﴾. فلم يزد على ما تقتضيه الحاجة، وترك لصاحب البلاء شيئًا من الستر، وفسحةً من الرفق، وهو يتلقى خبرًا يهز القلب.
وهذا لون من ألوان الرحمة في الخطاب، يعلمنا أن إيصال الحقيقة لا يعني تجريدها من اللطف، وأن الإنسان قد يملك المعلومة الصحيحة، لكنه يخطئ في طريقة عرضها. وكم من كلمة حق أفسدها أسلوب قاسٍ، وكم من نصيحة ضاعت لأن صاحبها لم يراعِ حال من يخاطبه.
إن القرآن يعلمنا ماذا نقول، وكيف نقول. ولذلك كان الأنبياء أعرف الناس بالحق، وأحسنهم أدبًا في تبليغه، لأنهم يجمعون بين الصدق والرفق، وبين البيان ومراعاة المشاعر، فلا يزيدون في ألم المبتلى، ولا يكسرون قلبًا وهم يؤدون واجب البيان.
إننا بحاجة إلى هذا الأدب في بيوتنا، وتربيتنا، ودعوتنا، وعلاقاتنا. فليس كل ما يُعلم يُقال على الصورة نفسها، وليس كل حق يقال بالطريقة نفسها، وإنما الكمال أن يكون الحق رحيمًا في لفظه، حكيمًا في توقيته، لطيفًا في أسلوبه؛ فإن القلوب تفتحها الرحمة، كما تفتحها الحجة، ورب كلمة لينة بلغت من النفوس ما لم تبلغه خطبة طويلة.