ما أرحم الله بعباده حين لا يتركهم لتخبط عقولهم، ولا يسلمهم إلى أهوائهم، ولا يكتفي بأن يقيم عليهم الحجة مرةً واحدة، ثم يدعهم لما اختاروا؛ ويفصل لهم الآيات، ويصرفها، ويكرر المعاني الكبرى في صور شتى، ويفتح لها من أبواب الفهم ما يناسب اختلاف النفوس والعقول.
يخاطب العقل بالبرهان، والفطرة في أعماقها، والنفس بما يرجوها ويخيفها، ويعرض المعنى الواحد تارةً في قصة، وتارةً في مثل، وتارةً في سؤال يهز القلب، وتارةً في مشهد من مشاهد الكون، وتارةً في وعد أو وعيد. يوجز حين يكون الإيجاز أبلغ، ويفصل حين يحتاج المقام إلى البيان، ويكرر لأن القلوب مختلفة، ولأن بابًا قد يغلق في نفس ويفتح غيرها.
وأعجب من ذلك أن هذا التصريف لا يكون للمؤمنين وحدهم، بل يمتد إلى المكذبين والمعرضين، الذين بارزوا ربهم بالعصيان، وردوا رسله، وجحدوا آياته. ومع ذلك لم يُحرموا البيان، ولم يُغلق في وجوههم باب الرجوع، بل قيل لهم: ﴿انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون﴾، وقيل: ﴿يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون﴾. وما ذلك إلا لأن رحمته سبقت غضبه، ولأنه سبحانه يحب من عباده أن يهتدوا، ويكره لهم الضلال والهلاك.
فمن نحن حتى يعاد إلينا المعنى مرة بعد مرة؟ ومن نحن حتى تساق لنا الحجج من كل جهة؟ ومن نحن حتى تطرق الآيات أبواب قلوبنا على اختلافها؟ لولا رحمة الله التي لا يحيط بها عقل، ولا يبلغ مداها وصف.
تأمل رحمته بالمؤمنين، فإنه لم يكتف بأن يأمرهم بالإيمان إجمالًا، بل بين لهم كيف يعيشون به في أدق تفاصيل حياتهم. فصل لهم أحكام البيع والشراء، والديون والمواريث، والزواج والطلاق، والاستئذان والدخول، والكلام واللباس، والسفر والإقامة، والخصومة والمصالحة. وذكر لهم الأحوال والاستثناءات، وحذرهم من مواطن الزلل، ودلهم على أعدل الطرق وأقومها.
وهو سبحانه غني عنهم جميعًا؛ لا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم، ومع ذلك يبين لهم، ويرشدهم، ويتوب عليهم، رحمةً بهم وإحسانًا إليهم: ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم﴾.
تأمل كلمة ﴿يريد﴾؛ فالهداية هنا إرادة للرحمة، والبيان، والتوبة، وإخراج من الحيرة إلى البصيرة، ومن التيه إلى الطريق.
القرآن ليس كتاب أحكام فحسب، ولا كتاب مواعظ مجردة.. هو أثر من آثار رحمة الله بخلقه. كل تفصيل فيه رحمة، وكل تكرار رحمة، وكل تحذير رحمة، وكل وعد رحمة، وكل قصة رحمة، حتى الآيات التي تخوف العباد إنما تخوفهم لتردهم، وتنذرهم لتنجيهم.
إي والله، كم يفتح القرآن من الأبواب العظمى للتعرف إلى رحمة الله! ومن قرأه بهذه العين، لم ير فيه أوامر ونواهي مجردة، بل رأى ربًا رحيمًا يدل عباده على الطريق، ويعيد لهم النداء، ويفتح لهم باب الرجوع، حتى لا يهلك على الله إلا من أبى.
يخاطب العقل بالبرهان، والفطرة في أعماقها، والنفس بما يرجوها ويخيفها، ويعرض المعنى الواحد تارةً في قصة، وتارةً في مثل، وتارةً في سؤال يهز القلب، وتارةً في مشهد من مشاهد الكون، وتارةً في وعد أو وعيد. يوجز حين يكون الإيجاز أبلغ، ويفصل حين يحتاج المقام إلى البيان، ويكرر لأن القلوب مختلفة، ولأن بابًا قد يغلق في نفس ويفتح غيرها.
وأعجب من ذلك أن هذا التصريف لا يكون للمؤمنين وحدهم، بل يمتد إلى المكذبين والمعرضين، الذين بارزوا ربهم بالعصيان، وردوا رسله، وجحدوا آياته. ومع ذلك لم يُحرموا البيان، ولم يُغلق في وجوههم باب الرجوع، بل قيل لهم: ﴿انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون﴾، وقيل: ﴿يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون﴾. وما ذلك إلا لأن رحمته سبقت غضبه، ولأنه سبحانه يحب من عباده أن يهتدوا، ويكره لهم الضلال والهلاك.
فمن نحن حتى يعاد إلينا المعنى مرة بعد مرة؟ ومن نحن حتى تساق لنا الحجج من كل جهة؟ ومن نحن حتى تطرق الآيات أبواب قلوبنا على اختلافها؟ لولا رحمة الله التي لا يحيط بها عقل، ولا يبلغ مداها وصف.
تأمل رحمته بالمؤمنين، فإنه لم يكتف بأن يأمرهم بالإيمان إجمالًا، بل بين لهم كيف يعيشون به في أدق تفاصيل حياتهم. فصل لهم أحكام البيع والشراء، والديون والمواريث، والزواج والطلاق، والاستئذان والدخول، والكلام واللباس، والسفر والإقامة، والخصومة والمصالحة. وذكر لهم الأحوال والاستثناءات، وحذرهم من مواطن الزلل، ودلهم على أعدل الطرق وأقومها.
وهو سبحانه غني عنهم جميعًا؛ لا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم، ومع ذلك يبين لهم، ويرشدهم، ويتوب عليهم، رحمةً بهم وإحسانًا إليهم: ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم﴾.
تأمل كلمة ﴿يريد﴾؛ فالهداية هنا إرادة للرحمة، والبيان، والتوبة، وإخراج من الحيرة إلى البصيرة، ومن التيه إلى الطريق.
القرآن ليس كتاب أحكام فحسب، ولا كتاب مواعظ مجردة.. هو أثر من آثار رحمة الله بخلقه. كل تفصيل فيه رحمة، وكل تكرار رحمة، وكل تحذير رحمة، وكل وعد رحمة، وكل قصة رحمة، حتى الآيات التي تخوف العباد إنما تخوفهم لتردهم، وتنذرهم لتنجيهم.
إي والله، كم يفتح القرآن من الأبواب العظمى للتعرف إلى رحمة الله! ومن قرأه بهذه العين، لم ير فيه أوامر ونواهي مجردة، بل رأى ربًا رحيمًا يدل عباده على الطريق، ويعيد لهم النداء، ويفتح لهم باب الرجوع، حتى لا يهلك على الله إلا من أبى.