وهم "الحقيقة" على منصات التواصل الإجتماعي: لماذا نهزم العلم بالجهل؟
في الفضاء الرقمي، غالباً ما تخسر الحقائق العلمية المعركة أمام الشائعات، ليس لنقص في الأدلة، بل بسبب "فجوة التواصل" وسيكولوجية العقل البشري. لفهم لماذا يصدق الناس "خبيراً" مزيفاً على فيسبوك ويشككون في العلماء، يجب النظر في ثلاثة أبعاد:1. سلاح اليقين مقابل لغة الاحتمالات
العلم بطبعه متواضع. يتحدث بـ "الاحتمالات" و"البيانات المتاحة"، وهو ما يفسره البعض كضعف. في المقابل، يمتلك الجاهل سلاحاً فتاكاً وهو اليقين المطلق. عندما يقول أحدهم "هذه الوصفة تعالج كل الأمراض فوراً"، فإنه يمنح المستمع راحة نفسية فورية يفتقدها في أروقة المختبرات المعقدة.2. التضخيم المجهري للأخطاء
يمارس المشككون ما يسمى "التدقيق الانتقائي". فمثلاً، يركزون على نسبة خطأ ضئيلة في اللقاحات (مثل 4 حالات تجلط في المليون) ويتجاهلون أنها نفس النسب الموجودة في أدوية نستخدمها منذ عقود. العقل البشري يخشى "الخطر الجديد" أكثر من "الخطر المألوف"، فيتحول الاستثناء النادر إلى قاعدة مخيفة عبر منشورات منصات التواصل الإجتماعي، متجاهلاً مليارات الحالات الناجحة.3. مغالطة "الجديد" وخوارزمية العاطفة
يُشاع أن التقنيات الحديثة (مثل mRNA) "لم تُختبر"، بينما الحقيقة أنها نتاج أبحاث بدأت منذ التسعينات. لكن العلم "ممل" ولا يحفز الخوارزميات، بينما الشائعات التي تخاطب اللوزة الدماغية (مركز الخوف والغضب) تنتشر كالنار في الهشيم. منصات التواصل الإجتماعي تكافئ "التفاعل" لا "الدقة"، مما يجعل صوت الجاهل المندفع أعلى من صوت العالم المتحفظ.4. فخ "الديمقراطية المعرفية"
لقد ألغت وسائل التواصل الاجتماعي الحواجز بين "العالم" و"العامي". اليوم، يظهر منشور لعالم حائز على جائزة نوبل بجانب منشور لشخص يروج لنظرية مؤامرة، وبسبب تأثير دانينغ-كروجر، يمتلك الأخير ثقة مفرطة في النفس تجعله يبدو أكثر إقناعاً. نحن نميل غريزياً لتصديق الشخص الذي يشبهنا، والذي يستخدم لغة عاطفية تلامس مخاوفنا وانحيازاتنا، بينما يبدو العالم كشخص قادم من "برج عاجي" بلغة جافة لا تثير المشاعر.
إننا لا نواجه أزمة معلومات، بل أزمة "معالجة معلومات". العلم يتطلب جهداً ذهنياً، بينما الجهل يُقدم مغلفاً بالدراما والبطولة الزائفة. لكي ينتصر العلم، لا يكفي أن يكون حقيقياً، بل يجب أن يُروى بلغة تفهمها القلوب والعقول معاً، بعيداً عن تعقيدات المختبرات.
